أقدَامٌ سُكَريَّة

أبانا الذي هُبِطَ به من السماء، تساءلتُ كثيراً كيف كان شعورك عندما أخذ الله بِضْعَةً منك وخَلق فَتَاتَكَ الجميلة “حواء”؟ هل كانت الروح تسري في جسدك وقت خروجها من ضِلعكْ؟! ما هو أول إحساسٍ شَعَرتَ به عند أولِ نَظرةٍ منك إليها؟ هل كان استغربتَ لأنك تشاهد أنثى لأولِ مرة؟ هل كان شعوراً بالغضب لأنها أُخذَتْ من ضِلعك وتريد أن تسترد ما أُخِذَ منك؟ هل كان شعوراً بنقصٍ لديك لأنك فقدته؟ هل كان شعوراً جنسياً بطبيعتك البشرية التي أوجدها الله فيك؟ هل فَزِعتَ منها في أول وَهلةٍ وَوَليْتَ هارباً؟… أسئلةٌ كثيرة عِلمُهَا عند ربي وهي عالقةٌ في ذهني!!

ساعةٌ نَلعَنُهَا

وساعةٌ نُبَجِلُهَا

في لحظةٍ نُحِبُهَا

وفي اللحظة نفسِها نَكرَهُهَا

هيَ الشرُ والخيرُ معاً

هيَ الموت والحياةُ سوياً

هي الضِياءُ في قلب الظلام

وهي الظلام في وضحِ النهار

كم كتب الشعراءُ فيك من قصائدٍ وحروف!! وكم خَلدَ العُشاق بدمائهم قصصاً لوَنَتْ التاريخ! وكم من دولً قامت بتدابير النساء؟ وكم من حضاراتٍ سقطتْ من مَكرِكُنَّ يا نساء؟ كم من العظماء لم يكونوا شيئاً قَبلكِ، وكم من الأبطال حملتهم بطونَكُنَ؟ كم من الملوك صاروا عبيداً بكيدِكُن! وكم من الصالحين فَسَقُوا بعد أن شَرِبوا من خَمرِكُن؟ إن كان التاريخ كتاباً فما نحن إلا غِلافُهُ وأنتنَّ صفحاته، وما المَجدُ إلا سُلمٌ أنتِ عتباتهُ ونحن أذرُعُهُ. كان ما سبق من بطن التاريخ.

أما اليوم فأنتِ تختلفين كثيراً عن السابق. أنت اليوم أصبحت عَقربَ الدقائق في ساعة الزمن، فلا يسيرُ الزمن إلا بحضورك في كل لحظة لتكتمل ساعة الوقت. أنت اليوم تدفعين المجتمعات باتجاه الأفق البعيد، تنهضين إذا تراخى الرجال، وتشدّين من عَزمِ الفُرسَانِ إذا اشتدّت الأزمات. أنت اليوم أصبحت مِحبَرَةَ التاريخ نكتب تاريخنا من حِبرِهَا. كانوا يطلقون عليك نصف المجتمع، لكنك اليوم صِرتِ المجتمع كُلَه. اليوم يا سيدتي أنتِ خَرَسَانَةُ البناء، فهل تدركين ما أصبحتِ عليه؟؟ هل تدركين أن هناك من يَخِيطُ لك الشّرَ ويسعى جاهداً لتكوني سِلعَةً رخيصةً كالدمية يتقاذفونكِ أينما يريدون ومثلما يتخيلون. لا بُدَّ أن تقفي للحظة.. لتعودي للخلف خطوة.. كي تراجعي نفسك ساعة. أنظري أسفل قدميك لتجدي نفسك أنك واقفةً فوق كعبين عاليين وأوهَمُوكِ أنك ناطحت السحاب. وأنظري إلى وجهك البريءُ في المرآة كيف تحول بعد عمليات التجميل والتنفيخ والتلوين حتى صِرْتِ كالدمية فصفقوا لك ووقفوا “كذباً” احتراماً لك، وما وقفوا إلا أن أنهم استعدوا لافتراسك كالنعجةٍ الغبية. وعندما تتقدمي في السن قليلاً وتبدأ التجاعيد بالبروز سوف ينظرون إليك نظرة اشمئزاز ويستقبلونك بظهورهم، فتسارعي لطبيب التجميل تتوسلينه أن يعيد لك ما أخذهُ منك الزمن، فتضاعفين من عمليات التجميل وتُكثري من ثيابك الصارخة! قائلةً “خُذُوني ولا تتركوني وحيدةً بعد أن شبعتُم مني”!!! هل هذا هو قَدَرُكِ المحتومُ با سيدتي؟ لا.. وألف ألف لا.. لكنك أنت من يقولها ولسنا نحن، فأنت صاحبةُ القرار.

أما في المستقبل فأنت يا سيدتي من ستقودين المركب وتتحملين الصعاب والمشقات وتعانين مرارة الألم، وهذا ليس إجلالاً لك أو أنك سَتُخضعين الرجال لسلطتك، إطلاقاً. إنما الوضع أشّدُ من ذلك بكثير. ولكي أشرح لك الأسباب، لنواص معاً ما بدأناه..

السبب الأول: هناك تفاوت شاسعٌ بين نسب الإناث والذكور سواءً من حيث الموجودين أو المواليد، لصالح النساء طبعاً.

السبب الثاني: قلةُ في الزيجات مقارنة بالارتفاع المخيف لحالات الطلاق المعلنَة والمخفيّة.

السبب الثالث: عزوفٌ عن الزواج وميلٌ نحو العنوسة من قبل الشباب هروباً من المسؤليات الأسرية والاجتماعية المترتبة على الارتباط المقدس، وفزعاً من شجع النساء وشروطهن التي تُمرضُ الشباب وتَنحرُ قلوبهم. ومع دخول الفتاة ميادين العمل أصبحت تفكر تماماً مثل الشاب في تكوين نفسها وو..الخ، وعندما تصاب بمرض العنوسة تصير تبحث عن ظِلِ رجل!.

السبب الرابع: التغيرات الجذرية في أنماط الحياة اليومية، والتي غلب طابِعُهَا الماديّ على جميع أشكال التواصل والترابط الاجتماعي، وتحول الكماليات إلى أساسيات الحياة. فإذا أردت زيارة مريض اشتريت له هديه، وإذا ذهبت لتهنئةٍ بقدوم مولود اشتريت له هديه، وإذا أقيمَ عرسٌ للنساء صرخت الجيوب من الإسراف وأتت الجلطات مسرعةً إلى القلب لترميه بين أحضان المصحات. وماذا أيضاً؟ أنتنَّ تعرفن أكثر مني.

أما السبب الخامس: فهو سببٌ سيتكرر لا محالة، وهو عواصف الحروب التي بدأت وستستمرُ في إبادة أطنانٍ من البشر. فمنطقةُ الشرق الأوسط وتحديداً إقليم الجزيرة العربية تنتظرُ عاصفةً يسبقها هدوءٌ ماكر. وما يحصلُ في الشام “أي سوريَّا” وحصادُ الأرواح البشرية في اليوم والليلة أمام دعمٍ ومساندةٍ دولية علنية وصريحةً صارخة من “الأمم المنحلة” الأمم المتحدة ، ما هو إلا تأشيرة عُبورٍ لشياطين الحرب تُخبِرُنَا بقدومهم. الدول العظمى التي تتشدُقُ بالديمقراطية وتدعوا ليلاً نهاراً للسلام الخبيث، الحكومات الإسلامية وكأنها مُكَبَلةٌ بالأصفاد، الحكومات العربية التي فقدت نَخْوَةَ المعتصم، والسُنَنُ الكونيّةُ تقول بأن الجميع سوف يدفع الثمن نقداً “أرواحاً”.

هل لديكنَّ شكٌ فيما أقول؟ فما ذكرته من أسباب قليلٌ جداً وهناك ما هو أعظم مما ذكرت. هذا هو المستقبل ولا تظنون أني متشائهم فأنتم تعيشون جزءً منه، أليس كذلك؟ والتشخيص السليم يقود إلى الحل الصحيح. ولا أصلح للنجاة من الصراحة والشفافية.

وقبل الختام سأكتب أحرفاً أُلطِفُ بها حِدَةَ مقالتي على ألا تنسيك ما قلتُ سلفاً، وحتى لا أجرح قلباً لا أحتملُ حُزنَهُ أو أنينه. فيا صاحبة الأقدام السكريَّة أُنشِدُكِ هذه النغمات:

سيدةٌ. مَلكَتْ قَلباً.. هَدَمَتْ دَاراً.. قَتَلتْ رُوحَاً

إمرأةٌ. نَالتْ مُلكَاً.. كَسَرَتْ قَلبَاً.. حَكَمَتْ بَلَداً

نَاعِمَةٌ. سَادَتْ قَوْمَاً.. هَزَتْ جَيشَاً.. هَزَمَتْ أسَدَاً

أنتِ كما أنتِ.. جُزٌ أخذ الكُل.. وأذاب الكُل

تَخطُو خُطوَة.. تَذْبَحُ مَحْرُومَاً

تُلقِي نَظرَة.. تَقْتُلُ إنساناً

تُذهِبُ بالعقلِ بِلا رَحمَة

وتَبعثُ بالروحِ بِلا قَسوَة

تَنطِقُ نَسمعْ.. تسكتُ نصمُتْ

نَكرَهُ نَغضبْ.. لكن لا نقدِرُ أن نَبعِدْ

نَدْعِي بالموتِ عليها.. وبالروحِ نَحنُ فِدَاهَا

الكاتب / أحمد عبدالعزيز

28/9/2012 الساعة 9:24 ليلاً

tafa2al.com1@gmail.com

مملكة البحرين

 

 

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may use these HTML tags and attributes:

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>